الوقت- لم تعد التحركات الأمريكية في البحر الأحمر تُقابل بالصمت أو البيانات الدبلوماسية الباهتة، بل أصبحت تواجه بمعادلات ردع صلبة تفرضها صنعاء بثقة متصاعدة، فمع عودة حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن إلى مسرح العمليات، كشفت اليمن عن مستوى غير مسبوق من الجاهزية العسكرية، ورسائل سياسية مدروسة، تؤكد أن زمن التفوق الأمريكي المطلق في الممرات البحرية قد ولى، لا يتعامل اليمن اليوم مع واشنطن كقوة لا تُمس، بل كطرف معتدٍ يمكن ردعه واستنزافه.
الرسائل اليمنية الأخيرة، سواء عبر التصريحات أو العمليات الميدانية الموثقة، تعكس انتقالًا استراتيجيًا من الدفاع إلى الهجوم، ومن رد الفعل إلى المبادرة، هذه التحولات لا تنفصل عن السياق الإقليمي المتفجر، ولا عن فشل الولايات المتحدة في قراءة المتغيرات الجديدة، ما يجري ليس تصعيدًا عابرًا، بل إعادة صياغة لقواعد الاشتباك البحري، عنوانها أن صنعاء باتت لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاهله.
الجاهزية اليمنية كإعلان سيادي
ترفع صنعاء اليوم مستوى جاهزيتها العسكرية بوصفه فعلًا سياديًا مدروسًا، لا مجرد تهديد إعلامي أو استعراض مؤقت، فالمعطيات الواردة من مصادر عسكرية يمنية تؤكد أن هذه الجاهزية جاءت استجابة مباشرة لتحركات أمريكية عدائية، وليس ضمن منطق التصعيد المجاني، اليمن، الذي راكم خبرة قتالية تمتد لسنوات من المواجهة غير المتكافئة، بات يدرك بدقة توقيت استخدام القوة وحدودها.
إعلان الجاهزية القصوى يحمل رسالة واضحة مفادها بأن أي وجود عسكري أمريكي في البحر الأحمر أو بحر العرب سيُعامل كعامل تهديد مباشر للأمن القومي اليمني، اللافت أن هذا الموقف لم يعد دفاعيًا بحتًا، بل استباقيًا، يقوم على منع تثبيت الوقائع بالقوة، فصنعاء لا تنتظر الضربة الأولى، بل تعمل على تعطيل شروطها مسبقًا، هذه المقاربة تعكس تطورًا نوعيًا في التفكير العسكري والسياسي اليمني، حيث جرى دمج القرار الميداني بالقرار السيادي، وبذلك، تتحول الجاهزية العسكرية من حالة طوارئ مؤقتة إلى ركن ثابت في معادلة الردع الإقليمي التي تفرضها صنعاء بثبات.
أبراهام لينكولن من رمز هيمنة إلى عبء استراتيجي
لطالما مثّلت حاملات الطائرات الأمريكية رمزًا للقوة والهيمنة العابرة للقارات، غير أن تجربة أبراهام لينكولن في مواجهة اليمن كشفت حدود هذا الرمز، فالحاملة التي دخلت المنطقة سابقًا بوصفها أداة ردع، خرجت منها تحت وطأة هجمات متكررة أربكت حسابات واشنطن، اليوم، تعود أبراهام لينكولن في سياق مختلف تمامًا، حيث لم تعد تملك عنصر المفاجأة ولا تفوق الردع.
اليمنيون، الذين راكموا خبرة دقيقة في تتبع واستهداف هذا النوع من القطع البحرية، باتوا ينظرون إلى الحاملة كهدف محتمل لا كخط أحمر، هذا التحول يحمل دلالات استراتيجية خطيرة للولايات المتحدة، لأنه يفرغ أدواتها التقليدية من مضمونها الردعي، فحين تفشل حاملة طائرات في فرض السيطرة، تتحول إلى عبء لوجستي وأمني يحتاج إلى حماية مضاعفة، هنا تكمن قوة الموقف اليمني، الذي لم يسعَ إلى مضاهاة القوة الأمريكية، بل إلى تفكيك فعاليتها، ومع كل عودة متعثرة لحاملة أمريكية، تتآكل صورة الهيبة، ويترسخ واقع جديد عنوانه أن البحر لم يعد ساحة مفتوحة للهيمنة الأمريكية.
الرسالة البحرية اليمنية وإعادة تعريف الردع
لم يكن نشر مشاهد استهداف ناقلة النفط البريطانية خطوة إعلامية معزولة، بل جزءًا من خطاب ردعي متكامل صاغته صنعاء بعناية، الرسالة الأساسية لم تكن موجهة لبريطانيا وحدها، بل للولايات المتحدة وحلفائها، ومفادها بأن اليمن يمتلك القدرة والإرادة معًا لضبط إيقاع الملاحة في الممرات الحساسة، ما يميز هذه الرسالة أنها اعتمدت على الفعل الموثق لا على الخطاب النظري، عرض تفاصيل العملية، ونوع الصاروخ المستخدم، وآلية الرصد، كلها عناصر تهدف إلى ترسيخ معادلة ردع قائمة على المعرفة والقدرة، اليمن هنا لا يلوّح بالقوة فحسب، بل يبرهن عليها، هذا النمط من الردع العملي يعكس نضجًا استراتيجيًا، حيث يجري توظيف العمليات العسكرية لتحقيق مكاسب سياسية، والأهم أن صنعاء أعادت تعريف مفهوم المنطقة المحظورة، موسعة نطاقها ليشمل خليج عدن، في خطوة أربكت حسابات الخصوم، بذلك، لم تعد السيطرة البحرية حكرًا على القوى الكبرى، بل أصبحت رهينة توازنات جديدة فرضها الفاعل اليمني بثقة ووضوح.
فشل واشنطن في قراءة التحولات الإقليمية
تكشف المواجهة الراهنة عن أزمة عميقة في الفهم الاستراتيجي الأمريكي للمنطقة، فالولايات المتحدة لا تزال تتعامل مع اليمن بعقلية قديمة، تفترض أن الضغط العسكري كفيل بإعادة ضبط السلوك السياسي، غير أن الوقائع أثبتت عكس ذلك، كل جولة تصعيد أمريكية أنتجت مزيدًا من التماسك اليمني، ومزيدًا من التطور في القدرات العسكرية، تجاهلت واشنطن التحولات البنيوية في محور المقاومة، وتعاملت مع كل ساحة بمعزل عن الأخرى، فدفعت ثمن هذا القصور، ربط صنعاء بين أي عدوان على إيران واشتعال المنطقة بأكملها ليس تهديدًا نظريًا، بل قراءة واقعية لتشابك الجبهات، الفشل الأمريكي يتجلى أيضًا في التجربة السابقة، حين اضطرت إلى وقف الحرب المباشرة على صنعاء بعد عجزها عن تحقيق أي مكسب سياسي أو عسكري، هذا الفشل لا يضعف موقع واشنطن فحسب، بل يمنح خصومها هامش حركة أوسع، ومع استمرار تجاهل هذه الحقائق، تبدو الولايات المتحدة كقوة تكرر الأخطاء نفسها، منتجة النتائج ذاتها.
صنعاء لاعب إقليمي وصانع معادلات
تؤكد التطورات الأخيرة أن صنعاء لم تعد ساحة صراع هامشية، بل تحولت إلى لاعب إقليمي فاعل يملك القدرة على صناعة المعادلات. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل كان نتاج تراكم سياسي وعسكري طويل، استطاع خلاله اليمن تحويل الحصار والعدوان إلى أدوات صقل للقدرات. اليوم، تفرض صنعاء معادلاتها من موقع الفعل لا رد الفعل، وتحدد خطوطًا حمراء تتجاوز حدودها الجغرافية. قدرتها على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية العالمية تمنحها وزنًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية، في المقابل، تبدو الولايات المتحدة عاجزة عن استيعاب هذا التحول، متمسكة بأدوات فقدت فعاليتها. الرسالة اليمنية واضحة: الأمن الإقليمي لا يمكن أن يُبنى على الهيمنة والتهديد، بل على التوازن والاعتراف بالوقائع الجديدة، وبينما تصر واشنطن على إنكار هذا الواقع، تواصل صنعاء ترسيخ موقعها كلاعب يصعب كسره أو تجاوزه.
في المحصلة النهائية، لا يمكن قراءة التحركات اليمنية الأخيرة بمعزل عن التحول العميق في موازين القوة الإقليمية، فما تفرضه صنعاء اليوم ليس مجرد ردٍّ على استفزازات أمريكية متكررة، بل هو مشروع ردع متكامل يعيد رسم حدود النفوذ في البحر الأحمر وبحر العرب، لقد أثبتت التجربة أن القوة الأمريكية، رغم ضخامتها، لم تعد قادرة على فرض إرادتها كما في السابق، وخصوصاً عندما تواجه فاعلًا يمتلك الإرادة والقدرة على الصمود والمبادرة.
اليمن، الذي صُوِّر لسنوات كدولة منهكة ومحاصَرة، نجح في قلب المعادلة، محولًا الجغرافيا إلى عنصر قوة، والضغط إلى فرصة لبناء أدوات تأثير استراتيجية، الرسائل التي تبعث بها صنعاء اليوم تتجاوز اللحظة الراهنة، وتخاطب المستقبل، مؤكدة أن زمن الإملاءات الأحادية قد انتهى، وفي مقابل العجز الأمريكي عن فرض الاستقرار بالقوة، تبرز معادلة جديدة عنوانها أن الأمن البحري لن يتحقق إلا عبر التوازن واحترام سيادة الدول، بهذا المعنى، لا تدافع صنعاء عن نفسها فحسب، بل تكرّس نموذجًا لمواجهة الهيمنة، يفتح الباب أمام مرحلة إقليمية مختلفة، تكون فيها الإرادة الوطنية عامل الحسم الأول.
