الوقت- أثارت تصريحات منسوبة إلى أحد قادة مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط السياسية والإعلامية، بعد حديثه خلال جلسة رسمية في ولاية أوهايو الأمريكية عن امتلاك الكيان الإسرائيلي ما وصفه بـ"أكبر بنك للجلد البشري في العالم"، وبينما تداول ناشطون التصريحات على نطاق واسع، انقسمت الآراء بين من اعتبرها تسليطاً للضوء على انتهاكات محتملة، ومن رأى أنها مزاعم خطيرة تحتاج إلى تدقيق علمي وقانوني صارم.
هذا الجدل لا يقتصر على مضمون التصريحات فقط، بل يتداخل مع نقاشات أوسع حول حرية التعبير، والقوانين المتعلقة بمعاداة السامية في الولايات المتحدة، إضافة إلى الخلفيات الطبية والإنسانية المرتبطة ببنوك الأنسجة البشرية حول العالم.
خلفية التصريحات والسياق السياسي
جاءت التصريحات خلال جلسة أمام اللجنة القضائية في مجلس شيوخ ولاية أوهايو، أثناء مناقشة مشروع قانون"SB 87"، الذي يهدف إلى توسيع تعريف معاداة السامية وإدراج بعض أشكال الاحتجاجات أو الأنشطة المناهضة لإسرائيل ضمن الأفعال التي قد تخضع للمساءلة القانونية.
وخلال مداخلته، استند المتحدث إلى تقرير إعلامي إسرائيلي قديم تحدث عن وجود بنك كبير للجلد في الكيان الإسرائيلي، وطرح تساؤلات حول مصدر هذا الجلد، في إشارة فسّرها بعض المتابعين على أنها اتهام مباشر بممارسات غير قانونية أو غير أخلاقية.
انتشار المقطع المصور عبر وسائل التواصل الاجتماعي ساهم في تصاعد الجدل، حيث عبّر مؤيدون عن دعمهم لما وصفوه بـ"فضح الانتهاكات"، بينما حذّر آخرون من خطورة نشر معلومات غير موثقة قد تغذي الكراهية أو التضليل.
ما هو "بنك الجلد"؟ تفسير طبي وعلمي
لفهم القضية، من المهم توضيح المقصود ببنك الجلد البشري. في الطب الحديث، تُستخدم بنوك الأنسجة ومنها الجلد لأغراض علاجية بحتة، وخصوصاً في علاج الحروق الشديدة، والحوادث الكبرى، والعمليات الجراحية المعقدة، الجلد المتبرع به لا يُزرع عادة بشكل دائم، بل يُستخدم كغطاء مؤقت يحمي الجسم من العدوى وفقدان السوائل إلى أن يتعافى المريض أو تتوافر زراعة ذاتية من جلده.
توجد بنوك جلد في عدد من الدول، مثل الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، والهند، والصين، وغيرها، وتخضع هذه البنوك عادة لقوانين طبية صارمة تتعلق بالتبرع بعد الوفاة، والموافقة المسبقة، والرقابة الأخلاقية.
وحسب تقارير طبية منشورة سابقاً، فإن البنك الإسرائيلي للجلد أُنشئ أساساً لخدمة المصابين بالحروق، وخصوصاً الجنود والمدنيين، ويعتمد وفق الرواية الرسمية على التبرع بالأنسجة بعد الوفاة بموافقة مسبقة.
الاتهامات القديمة: قضية سرقة الأعضاء
الجدل الحالي أعاد إحياء اتهامات قديمة ظهرت في وسائل إعلام دولية قبل أكثر من عقد، حين نشرت صحيفة سويدية عام 2009 تقريراً مثيراً للجدل حول مزاعم سرقة أعضاء من جثامين فلسطينيين، التقرير أثار أزمة دبلوماسية آنذاك، لكن لم تصدر لاحقاً نتائج قضائية دولية تثبت وجود سياسة ممنهجة بهذا الشأن.
في سياق متصل، اعترف طبيب إسرائيلي في مقابلة إعلامية عام 2000 بأن معهد الطب الشرعي كان قد أخذ عينات من أعضاء وجلود جثث — إسرائيليين وفلسطينيين — خلال التسعينيات دون موافقة كافية من العائلات، وهو ما وصفته السلطات لاحقاً بأنه "ممارسة قديمة تم إيقافها"، وأُدخلت بعدها تعديلات قانونية لتنظيم التبرع بالأنسجة بشكل أكثر صرامة.
ومع ذلك، لم تثبت تحقيقات دولية مستقلة وجود برنامج منظم لسرقة الأعضاء أو الجلود كما تُتداول في بعض الخطابات السياسية أو على وسائل التواصل.
تقارير حديثة وشبهات متداولة
في السنوات الأخيرة، وخصوصاً خلال الحروب المتكررة على غزة، ظهرت اتهامات من مؤسسات حقوقية ونشطاء بشأن تسليم جثامين فلسطينيين بحالات متدهورة أو ناقصة أعضاء. غير أن هذه الادعاءات بقيت في إطار الاتهام الإعلامي أو الحقوقي، دون نتائج تحقيق دولي حاسم يثبت وجود نمط منهجي.
المنظمات الحقوقية الدولية عادة ما تطالب بإجراء تحقيقات شفافة ومستقلة في مثل هذه القضايا، نظراً لحساسيتها القانونية والإنسانية، وخصوصاً في مناطق النزاع حيث يصعب التحقق من الوقائع بشكل كامل.
بين التضليل والمعلومات: دور الإعلام ومنصات التواصل
انتشار التصريحات الأخيرة كشف مرة أخرى عن الدور الكبير الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام، سواء عبر نشر المعلومات أو إعادة تدوير مزاعم غير مثبتة.
خبراء الإعلام يحذرون من أن قضايا حساسة مثل سرقة الأعضاء أو الاتجار بالبشر تحتاج إلى أدلة موثقة وتحقيقات قضائية، لأن تداولها دون تحقق قد يساهم في نشر معلومات مضللة أو تأجيج الصراعات.
في المقابل، يرى ناشطون أن إثارة هذه القضايا — حتى لو كانت مثيرة للجدل — ضرورية للضغط من أجل التحقيق والمساءلة، خصوصاً في ظل ما يصفونه بنقص الشفافية في مناطق النزاع.
الجدل القانوني في الولايات المتحدة: حرية التعبير أم مكافحة الكراهية؟
تصاعد القضية ارتبط أيضاً بالنقاش حول مشروع قانون "SB 87" في ولاية أوهايو، والذي يسعى إلى توسيع تعريف معاداة السامية. مؤيدو المشروع يرون أنه ضروري لمواجهة تصاعد خطاب الكراهية ضد اليهود، بينما يخشى معارضون من أن يؤدي إلى تقييد الانتقادات السياسية للكيان الإسرائيلي.
منظمات حقوقية أمريكية حذّرت من أن أي قانون قد يخلط بين معاداة السامية والنقد السياسي قد يؤثر على حرية التعبير، وخاصة في الجامعات ووسائل الإعلام والمجتمع المدني.
في المقابل، تؤكد جهات داعمة للقانون أن الهدف هو منع التحريض والكراهية وليس إسكات النقد المشروع.
البعد الإنساني والسياسي
القضية تعكس التداخل المعقد بين السياسة والحقوق والإنسانية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فبينما يركز بعض الناشطين على اتهامات الانتهاكات، يشدد آخرون على ضرورة التحقق من المعلومات قبل نشرها، تجنباً لتضليل الرأي العام أو زيادة الاستقطاب.
كما تبرز أهمية الشفافية في قضايا الطب الشرعي والتعامل مع الجثامين في مناطق النزاع، حيث تشكل هذه المسائل بعداً إنسانياً حساساً يمس كرامة الضحايا وحقوق عائلاتهم.
الجدل الذي أثارته التصريحات حول "بنك الجلد" يعكس صراعاً أوسع بين الروايات السياسية، والحقائق العلمية، والمخاوف الحقوقية. فبينما توجد بالفعل بنوك للجلد في دول عديدة لأغراض طبية مشروعة، تبقى الاتهامات المتعلقة بسرقة الأعضاء أو الجلود بحاجة إلى تحقيقات مستقلة وموثوقة قبل اعتمادها كحقائق.
وفي الوقت ذاته، يفتح الجدل نقاشاً مهماً حول حدود حرية التعبير، ودور القوانين في حماية المجتمعات من الكراهية دون تقييد النقد السياسي، إضافة إلى ضرورة الشفافية والمساءلة في كل ما يتعلق بحقوق الإنسان في مناطق النزاع.
ومع استمرار تداول القضية، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن التمييز بين الحقيقة والدعاية في زمن تنتشر فيه المعلومات بسرعة هائلة، وتختلط فيه السياسة بالإعلام، والحقوق بالسرديات المتصارعة؟
