الوقت- الصراع الذي استمر يومين بين إيران والکيان الصهيوني، بعد انقطاعٍ دام شهرين، لم يكن مجرد مواجهة عابرة، بل كان محاولةً من كلا الطرفين لتغيير معادلات وقف إطلاق النار الهش الذي وضع المنطقة في حالة «لا حرب ولا سلام»، حاول فيها اللاعبان استعادة المبادرة عبر هجمات جديدة، وفرض شروطهما على الطرف المقابل.
في هذا السياق، كان مسؤولو الکيان الصهيوني، الذين حاولوا خلال الأسابيع الماضية فصل قضية لبنان عن مسار المفاوضات بين طهران وواشنطن، يعتقدون أن إيران لن تردّ مباشرةً على الهجوم الذي استهدف ضاحية بيروت الجنوبية، حرصًا على عدم إضعاف وقف إطلاق النار وتعقيد مسار الدبلوماسية، لا سيما في ظل المفاوضات السياسية التي كان ممثل باكستان يجريها في طهران.
استنادًا إلى هذا الأمر، شنّ الجيش الصهيوني يوم الأحد هجمات على أجزاء من الضاحية بهدف ترسيخ معادلة جديدة في الميدان، تقضي بأن يصبح الهجوم على بيروت مقابل الهجوم على شمال الأراضي المحتلة إجراءً اعتياديًا وقابلاً للتكرار.
لقد ركّز حزب الله خلال الأشهر الماضية على نقطة ضعف حكومة تل أبيب الأمنية في الحصول على ضمانات أمنية للمستوطنات الشمالية وإعادة المهجرين إلى ديارهم. واستمرار حالة انعدام الأمن في شمال الأراضي المحتلة وفراغ المستوطنات، شكّل ضغطًا على حكومة نتنياهو أكثر من الهجمات الصاروخية على حيفا وتل أبيب.
رغم التقدم في جنوب نهر الليطاني ومحاولة إقامة منطقة عازلة على الحدود اللبنانية، لم يتمكن الجيش الإسرائيلي بعد من تغيير الوضع الأمني في الشمال، ولا تزال هجمات حزب الله مستمرةً، بينما لم يعد المستوطنون المهجرون إلى منازلهم. هذا الفشل والعجز دفعا نتنياهو إلى اعتبار توسيع دائرة التهديد على ضاحية بيروت، السبيل الوحيد لإجبار حزب الله على وقف هجماته.
تدهور الأوضاع بالنسبة لنتنياهو
ومع ذلك، لم تسر التطورات كما توقعت سلطات تل أبيب. ففي مساء الأحد وصبيحة الاثنين، شنت قوات حرس الثورة الإسلامية في إيران هجومين صاروخيين مدروسين دعمًا للبنان، مستهدفةً الأراضي المحتلة، مما قلب الموازين وأفشل المحاولات الرامية إلى تشكيل المعادلة الجديدة.
في هذه الهجمات، التي قيل إنها نُفذت بواسطة ثلاثين صاروخًا وعدد من الطائرات المسيّرة، استهدفت عدة مراكز عسكرية هامة ومنشآت طاقة في الأراضي المحتلة، من بينها قاعدتي نفاتيم وتل نوف، وكذلك الصناعات البتروكيماوية في حيفا، مخلّفةً أضرارًا جسيمةً.
وقد أدت هذه الضربات الثقيلة إلى عدم تحقق المعادلة التي كان يسعى نتنياهو إلى تثبيتها في جنوب لبنان، بل إن الأوضاع أصبحت أكثر تعقيدًا لتل أبيب، لا سيما أن إيران ركزت هجماتها على المناطق الشمالية التي باتت نقطة الضعف الكبرى في حكومة تل أبيب الأمنية. ونتيجةً لذلك، ازدادت حالة انعدام الأمن في شمال الأراضي المحتلة، وتفاقمت المخاوف بشأن مستقبل تلك المناطق.
وعلى إثر هذه الهجمات، أُغلق مطار بن غوريون مجددًا بعد توقفٍ دام شهرين، كما أُغلقت المدارس والمراكز التعليمية حتى إشعار آخر. ودخلت المستشفيات الإسرائيلية حالة التأهب الكامل والطوارئ، وتم نقل ملايين الأشخاص إلى الملاجئ لعدة ساعات. ووفقًا لتقارير شبكة الجزيرة، كان الوضع بالغ الحدة إلى درجة أن أجزاءً واسعةً من الأراضي المحتلة قد شُلت عمليًا.
لقد برهنت هذه الهجمات على عزم إيران الراسخ في تثبيت معادلة وقف إطلاق النار على كافة الجبهات، وأن لبنان يجب أن يشمل تحت مظلة الأمن لتحقيق وقف إطلاق النار الشامل.
تعطيل حسابات ترامب
لم يقتصر الرد الصاروخي الإيراني على تقويض حسابات تل أبيب فحسب، بل وجّه ضربةً قاصمةً لخطط دونالد ترامب أيضًا.
خلال الشهرين الماضيين، ارتكزت استراتيجية الإدارة الأمريكية على الحفاظ على توتر مسيطر عليه مع إيران، بمعنى استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية على طهران دون الانزلاق إلى صراع عسكري واسع النطاق، بهدف تفادي ارتفاع أسعار النفط، وعدم استقرار الأسواق المالية والطاقة، وتقليل استياء الدول العربية في المنطقة، وفي الوقت نفسه ضمان سير مباريات كأس العالم بأقل قدر من الاضطرابات.
لكن العملية الصاروخية الإيرانية طرحت تحديًا جديًا لاستراتيجية التوتر المسيطر عليها التي تتبعها واشنطن، وأظهرت أن طهران قد فكّت شفرة ترامب وتسعى لفرض قواعدها الخاصة على وقف إطلاق النار على العدو.
في هذا السياق، إذا واصل الكيان الصهيوني هجماته على بيروت، فستجد إيران الذريعة اللازمة لتكثيف هجماتها، وإذا ما أيدت الولايات المتحدة أي تحرك عسكري لتل أبيب، فستشهد المنطقة عودة التوترات إلى ما قبل وقف إطلاق النار، لا سيما في مضيق هرمز والضربات الموجهة إلى القواعد الأمريكية في الدول العربية. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن العملية الصاروخية الإيرانية قد قلبت حسابات ترامب رأسًا على عقب، وهو ما تجلى بوضوح في الارتفاع الفوري لأسعار النفط.
وفي هذا الصدد، كتب محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان في إيران، في تغريدة على وسائل التواصل الاجتماعي: «لقد ألغينا معادلة وقف إطلاق النار على الورق وتكرار انتهاكها في الميدان.»
بشكل عام، أثبتت إيران من خلال هذه العملية الصاروخية معادلةً جديدةً تصبّ في صالح محور المقاومة. ففي هذا الاشتباك القصير، كانت إيران المهاجم المبادر للمرة الأولى، مما أظهر استعدادها للارتقاء إلى مستوى أعلى من المواجهة في حال حاول الأعداء تقويض اتفاقات وقف إطلاق النار في المنطقة. كما حملت العملية رسالةً واضحةً بأن طهران لن تترك حلفاءها في الميدان وحدهم، وأن «استراتيجية توحيد الساحات» تسير بقوة وثبات.
