الوقت- اعتبرت وسائل إعلام غربية أن مفاوضات الرياض دون مشاركة الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا لتحقيق السلام في كييف، بمثابة رافعة للضغط على بروكسل، وانعقدت في العاصمة السعودية الثلاثاء الماضي محادثات الرياض التي ركزت على الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق سلام في أوكرانيا، في حين لم يلعب الاتحاد الأوروبي أي دور فيها واكتفى بمراقبة النتائج بقلق من استبعاده من طاولة المفاوضات المستقبلية.
وفي مقال حول هذا الموضوع، اعتبرت صحيفة "تاغ شويبله" الألمانية أن محادثات الرياض بمثابة رافعة لتكثيف الضغوط على الاتحاد الأوروبي، وكتبت: "جلست روسيا والولايات المتحدة جنباً إلى جنب في السعودية، وهذا يزيد من الضغط الزمني على الأوروبيين فيما يتعلق بأوكرانيا"، والآن يتعين على الجزء الأوروبي من حلف شمال الأطلسي أن يسرع الخطى إذا لم يكن راغباً في البقاء متخلفاً بشكل كامل.
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد اتصال هاتفي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن: إن محادثات السلام في أوكرانيا ينبغي أن تبدأ قريبا جدا.
وبدأت الثلاثاء الماضي، بعد أيام قليلة من الإعلان، المحادثات الأولية في المملكة العربية السعودية، ويسعى وزيرا الخارجية الأمريكي والروسي إلى تمهيد الطريق للقاء مباشر بين ترامب وبوتين في الرياض، حتى الآن، ظلت الولايات المتحدة تنظر إلى الأوروبيين باعتبارهم ضمانة للسلام في المستقبل فقط، ولكن هذه القرارات السريعة لم تكن بالضرورة محل اهتمام الأوروبيين حتى الآن، لكن على الأقل، سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى ترتيب لقاء في باريس أمس بعد هذه المواقف، وكانت هذه فرصة لإرسال إشارة إلى السعودية قبل وصول التطورات إليها.
وبعد هذا الاجتماع، الذي حضره بعض كبار المسؤولين الأوروبيين، صدرت رسائل تعبر عن الوحدة - إلى جانب صور من المائدة المستديرة، واعتبرت كلاوديا ميجور من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية أن قمة باريس رمزية ورمزية مهمة، لكنها قالت في الوقت نفسه: "في الأيام المقبلة فقط سوف يتضح ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قادراً على وضع حزمة تتضمن تعزيز أوكرانيا، وتقديم خطط لوقف إطلاق النار، وفي نهاية المطاف بذل المزيد من الجهود للدفاع عن نفسه".
يبدو أن الوقت ينفد، ولكن لا تزال هناك إشارة قوية حقا إلى دونالد ترامب من الاتحاد الأوروبي.
أولا، هناك مسألة تتعلق بمدى استعداد روسيا لإرسال قوة لحفظ السلام إلى أوكرانيا؟ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتصور إرسال قوات برية إلى أوكرانيا، وقد طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالفعل هذا الخيار في المناقشة، ومن ناحية أخرى، أعلنت بولندا أنها لا تنوي نشر أي قوات، كما أعربت إيطاليا وألمانيا عن مواقف حذرة ومتعارضة إلى حد ما بشأن هذه القضية، ولقد قال المستشار الألماني أولاف شولتز إنه لا يريد المشاركة في سيناريوهات نشر قوات أوروبية دون مشاركة أمريكية كاملة.
وهناك قضية أخرى تتعلق بتمويل تحديث الأسلحة في أوروبا، هذه المشكلة تكلف مليارات اليورو، كيف ينبغي لدول الاتحاد الأوروبي التعامل مع هذه القضية، في حين أنها ليست في وضع اقتصادي جيد ولديها قدرة مالية محدودة؟
وتابع الكاتب في إشارة إلى الاختلافات في تمويل تحديث الأسلحة في الاتحاد الأوروبي، قائلاً: "كان اجتماع باريس خطوة صغيرة"، ومن التقاليد الطيبة بالنسبة للاتحاد الأوروبي أن يسعى إلى التوصل إلى حلول وسط عند اتخاذ القرارات، لكن هذا يحدث في كثير من الأحيان ببطء شديد، ولن يكون ممكنا في ظل هذه الظروف. وفي مؤتمر ميونيخ للأمن الذي عقد مؤخرا، كانت الرسالة هي أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يتحرك الآن بسرعة وبطريقة استراتيجية وثقة، لقد لعب دونالد ترامب لعبة شطرنج صعبة مع الاتحاد الأوروبي.
السؤال هنا هو: ماذا سيحدث إذا لم يُظهر ترامب أي اهتمام بالتعامل مع الأوروبيين وأصر على القيام بذلك بمفرده؟
أرجأ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي زيارته إلى الرياض، التي كانت مقررة في الأصل يوم الأربعاء، لأنه لا يريد إضفاء الشرعية على القمة الأمريكية الروسية هناك، حسب مصدر مطلع على الأمر، واجتمع ممثلو الولايات المتحدة وروسيا في الرياض، الثلاثاء، من دون أوكرانيا والأوروبيين.
وقال مصدر مطلع لرويترز: "أوكرانيا لم ترغب في خلق الانطباع بأنها تضفي الشرعية على ما حدث في الرياض"، وأفادت مصادر مطلعة بأن فرنسا تعتزم عقد اجتماعها الثاني بشأن الحرب في أوكرانيا يوم الأربعاء، وقال دبلوماسيون طلبوا عدم ذكر أسمائهم إن كندا وعدة دول أوروبية لم تكن حاضرة في الاجتماع الأول يوم الاثنين تمت دعوتها هذه المرة أيضا.
تحرك لمواجهة التغيرات في الموقف الأمريكي
في ظل التطورات المتسارعة، يستعد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر للسفر إلى واشنطن الأسبوع المقبل للقاء ترامب، تزامنًا مع زيارة مرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الولايات المتحدة، وفقًا لما أعلنه مستشار الأمن القومي الأمريكي مايك والتز، وقد سببت التحركات الأخيرة للإدارة الأمريكية حالة من القلق بين المسؤولين الأوروبيين، الذين اعتبروا أن أي اتفاق قد تتوصل إليه واشنطن وموسكو قد يغير موازين القوى في القارة الأوروبية ويؤثر على مستقبل أوكرانيا.
وقد جاءت تصريحات عدد من وزراء الدفاع الأوروبيين لتعكس حجم هذا القلق، فقد أكد وزير الدفاع البريطاني أن روسيا هي المسؤولة عن اندلاع الحرب من خلال غزوها الأراضي الأوكرانية، وأنه بإمكانها إنهاء النزاع بسحب قواتها، كما شدد على أن أوروبا تتحمل مسؤولية دعم كييف، ليس فقط لحماية سيادتها، ولكن أيضًا لضمان أمن القارة الأوروبية ككل، وأضاف إن التهديد الروسي لا يقتصر على أوكرانيا فحسب، بل يمتد إلى مناطق أخرى، ما يستوجب موقفًا أوروبيًا حازمًا في التصدي له.
أما وزير الدفاع النرويجي، فقد شدد على أن دعم أوكرانيا ضرورة استراتيجية، معتبرًا أن أمن أوروبا مرتبط ارتباطًا وثيقًا بحرّية وأمن كييف، وأكد أن دول القارة العجوز بحاجة إلى بذل المزيد من الجهود لتعزيز دفاعاتها وتقوية الناتو، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تبقى عنصرًا أساسيًا في هذه المعادلة، ما يستدعي استمرار التنسيق الوثيق مع واشنطن.
أسباب القلق الأوروبي من المحادثات الأمريكية-الروسية
تشعر الحكومات الأوروبية بقلق متزايد إزاء استبعادها، إلى جانب أوكرانيا، من المحادثات التي تجري بين الولايات المتحدة وروسيا، حيث تخشى أن تؤدي هذه المفاوضات إلى تغييرات عدة، فما هي؟
1. التوازن الأمني في أوروبا
ترى الدول الأوروبية أن غيابها عن هذه المحادثات قد يؤدي إلى تهديد استقرارها الأمني في المستقبل، حيث ستجد نفسها مضطرة للدفاع عن نفسها دون دعم أمريكي في حال تصاعد التوتر مع روسيا، وقد نقلت صحيفة "بيلد" الألمانية عن مسؤولين أوروبيين اعتقادهم بأن الرئيس الأمريكي قد يوافق على سحب القوات الأمريكية من دول البلطيق، وهو ما قد يترك أوروبا عرضة لأي تهديد روسي محتمل، كما يخشى القادة الأوروبيون أن يؤدي تقليص الوجود العسكري الأمريكي في القارة إلى تحولات استراتيجية عميقة، قد تحتاج الدول الأوروبية إلى مواجهتها بمفردها.
2. خسارة أوكرانيا لأراضيها
تبرز مخاوف من أن تضغط الولايات المتحدة على أوكرانيا للتفاوض مع روسيا، ما قد يجبر كييف على التنازل عن أراضٍ سيطرت عليها موسكو منذ ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، وقد صرّح المبعوث الأمريكي الخاص لأوكرانيا وروسيا، كيث كيلوغ، بأن أي تسوية للنزاع قد تتضمن "خسارة محتملة للأراضي" من قبل أوكرانيا، مشيرًا إلى أن العودة إلى الحدود التي كانت قائمة قبل عام 2014 قد لا تكون ممكنة، وكان وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيت قد سبقه إلى هذا الموقف حين قال قبل أيام في مؤتمر ميونيخ للأمن إن العودة إلى حدود ما قبل 2014 غير واقعية.
3. القلق من تقليص المساعدات الأمريكية
تعتمد أوكرانيا بشكل كبير على المساعدات العسكرية الأمريكية، التي بلغت عشرات المليارات من الدولارات، وسمحت لها بمواصلة القتال ضد القوات الروسية، غير أن هناك مؤشرات على أن الإدارة الجديدة قد تخفض هذا الدعم، أو تربطه بشروط اقتصادية وسياسية جديدة، فقد أبدى ترامب في أكثر من مناسبة رغبته في تحقيق مكاسب اقتصادية من وراء دعم أوكرانيا، مشيرًا إلى أنه طلب من كييف تقديم ضمانات تشمل موارد بقيمة 500 مليار دولار من المعادن النادرة مقابل استمرار المساعدات، هذا الطلب قوبل برفض شديد من قبل زيلينسكي، الذي أكد أن المساعدات الأمريكية لم تصل حتى الآن إلى هذا الرقم، وأن بلاده لم تحصل على أي ضمانات أمنية حقيقية في المقابل.
وفي ضوء هذه التوترات، شهدت الساحة الدبلوماسية تطورًا جديدًا، حيث أُلغي المؤتمر الصحفي المشترك بين المبعوث الأمريكي الخاص والرئيس الأوكراني بشكل مفاجئ، بناءً على طلب أمريكي، ما يعكس تعقيد المشهد السياسي وتزايد الخلافات بين الجانبين.